محمد بن جرير الطبري
131
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بالحديبية حين صد عن البيت ؛ فليس ذلك بالقول المجتمع عليه ، وذلك فليس ذلك بالقول المجتمع عليه أن : الفضل بن سهل حدثني ، قال : ثنا مخول بن إبراهيم ، قال : ثنا إسرائيل ، عن مجزأة بن زاهر الأَسلمي ، عن أبيه زاهر الأَسلمي ، عن ناجية بن جندب الأَسلمي ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم حين صد عن الهدي ، فقلت : محل هدي المحصر يا رسول الله أبعث معي بالهدي فلننحره في الحرم قال : " كيف تصنع به " ؟ قلت : آخذ به أودية فلا يقدرون عليه . فانطلقت به حتى نحرته بالحرم . قالوا من قال محل هدي المحصر الحرم : فقد بين هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هداياه في الحرم ، محل هدي المحصر فلا حجة لمحتج بنحره بالحديبية في غير الحرم . وقال آخرون : معنى هذه الآية وتأويلها على غير هذين الوجهين اللذين وصفنا من قول الفريقين اللذين ذكرنا اختلافهم على ما ذكرنا . وقالوا : إنما معنى ذلك : فإن أحصرتم أيها المؤمنون عن حجكم فمنعتم من المضي لإِحرامه لعائق مرض أو خوف عدو وأداء اللازم لكم وحجكم حتى فاتكم الوقوف بعرفة ، فإن عليكم ما استيسر من الهدي لما فاتكم من حجكم مع قضاء الحج الذي فاتكم . فقال أهل هذه المقالة : ليس للمحصر في الحج بالمرض والعلل غيره الإِحلال إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة إن فاته الحج . قالوا : فأما إن أطاق شهود المشاهد فإنه غير محصر . قالوا : وأما العمرة فلا إحصار فيها ، لأَن وقتها موجود أبدا . قالوا : والمعتمر لا يحل إلا بعمل آخر ما يلزمه في إحرامه . قالوا : ولم يدخل المعتمر في هذه الآية ، وإنما عنى بها الحاج . ثم اختلف أهل هذه المقالة ، فقال بعضهم : لا إحصار اليوم بعدو كما لا إحصار بمرض يجوز لمن فاته أن يحل من إحرامه قبل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن طاوس ، قال : قال ابن عباس : لا إحصار اليوم . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني عبد الرحمن بن القاسم أن عائشة قالت : لا أعلم المحرم يحل بشيء دون البيت محل هدي المحصر . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس ، عن ابن عباس ، قال : لا حصر إلا من حبسه عدو ، فيحل بعمرة محل هدي المحصر ، وليس عليه حج ولا عمرة . وقال آخرون منهم : حصار العدو ثابت اليوم وبعد اليوم ، إحصار على نحو ما ذكرنا من أقوالهم الثلاثة التي حكينا عنهم . ذكر من قال ذلك : وقال : ومعنى الآية : فإن أحصرتم عن الحج حتى فاتكم محل هدي المحصر ، فعليكم ما استيسر من الهدي لفوته إياكم : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، قال : كان عبد الله بن عمر ينكر الاشتراط في الحج ، ويقول : أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت والصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا ، ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديا محل هدي المحصر . حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : المحصر لا يحل من شيء حتى يبلغ البيت ويقيم على إحرامه كما هو إلا أن تصيبه جراحة أو جرح ، فيتداوى بما يصلحه ويفتدي . فإذا وصل إلى البيت ، فإن كانت عمرة قضاها ، وإن كانت حجة فسخها بعمرة ، وعليه الحج من قابل والهدي محل هدي المحصر ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر مر على ابن حزابة وهو بالسقيا ، فرأى به كسرا فاستفتاه ، فأمره أن يقف كما هو لا يحل من شيء حتى يأتي البيت إلا أن يصيبه أذى فيتداوى وعليه ما استيسر من الهدي محل هدي المحصر . وكان أهل بالحج . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني الليث ، قال : ثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ، قال : من أحصر بعد أن يهل بحج ، فحبسه خوف أو مرض أو خلأ له ظهر يحمله أو شيء من الأَمور كلها ، فإنه يتعالج لحبسه ذلك بكل شيء لا بد له منه ، غير أنه لا يحل من النساء والطيب ، ويفتدي بالفدية التي أمر الله بها صيام أو صدقة أو نسك . فإن فاته الحج وهو بمحبسه ذلك ، أو فاته أن يقف في مواقف عرفة قبل الفجر من ليلة المزدلفة ، فقد فاته الحج ، وصارت حجته عمرة ؛ يقدم مكة فيطوف بالبيت وبالصفا والمروة . فإن كان معه هدي نحره بمكة قريبا من المسجد الحرام محل هدي المحصر ، ثم حلق رأسه ، أو قصر ، ثم حل من النساء والطيب وغير ذلك . ثم عليه أن يحج قابلا ويهدي ما تيسر من الهدي . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين